الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

147

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الدليل الذي أقامه المستدل على إثبات تلك المقدمة فإن الحكم بثبوت تلك المقدمة أيضا دعوى من الدعاوي فإذا أقام المعترض دليلا في مقابلة الدليل الذي استند إليه المستدل لإثباته كان معارضة بالنسبة إلى ذلك فمع ما فيه من المناقشة الظاهرة أنه غير جار في المقام لاكتفاء المستدل عن إثبات تلك المقدمة بظهورها من غير تعرض للاستدلال عليها فكيف يجعل ما ذكره استدلالا في مقابلة الاستدلال هذا وقد يجعل الإيراد المذكور منعا ومعارضة فمنع أولا من كون الذم على مجرد المخالفة لاحتمال وقوعه عن المخالفة الحاصلة على سبيل التكذيب نظرا إلى كون الترك من الكفار ثم أراد الاحتجاج على كون الذم على التكذيب دون مجرد المخالفة ولما كان مجرد المنع المذكور ضعيفا لمخالفته لظاهر الآية الشريفة ومناط كلام المستدل هو الأخذ بالظاهر اضرب في الجواب عن التعرض له وأشار إلى فساد المعارضة المذكورة وهو كما ترى خروج أيضا عن ظاهر العبارة وعن ظاهر كلام أرباب المناظرة قوله فإن كان الأول جاز إلى آخره أورد عليه بأنه خارج عن قانون المناظرة لأن اللازم على المستدل إثبات أن الذم على ذلك ولا يكفيه مجرد الجواز والاحتمال وما ذكره المورد إنما هو على سبيل المنع بإبداء الهادم للاستدلال وليس المنع قابلا للمنع وأجيب عن ذلك بما تقدمت الإشارة إليه من كون الإيراد المذكور معارضة لا منعا فيكفي في رده بإبداء الاحتمال وقد عرفت ما فيه فالصواب في الجواب أن يقال إنه لما كان المنع المذكور مبنيّا على مساواة الاحتمال المذكور لما أخذه المستدل مقدمة في الاستدلال وكانت الآية الشريفة في ظاهر الحال ظاهرة فيما ادعاه المستدل توقف منعه على إثبات مساواة الاحتمال المذكور لما ادعاه المستدل توقف منعه على إثبات أو ترجيحه عليه إذ مطلق المنع بإبداء مجرد الاحتمال لا ينافي الاستدلال بالظواهر بل لا بد من إبداء الاحتمال المساوي أو الراجح فصحة المنع المذكور مبنية على صحة ما قرره في السند وحينئذ يكتفى في الجواب بمنع ما قرره في بيانه لبقاء الظاهر المذكور حينئذ على حاله إلى أن يتبين المخرج عنه فمحصله أن ما جعله باعثا على الانصراف على ذلك الظاهر غير ظاهر حسبما قرره في الجواب فتأمل هذا وقد ذكروا في المقام وجوها آخر في الاحتجاج على وضع الصيغة للوجوب لا بأس بالإشارة إلى جملة منها منها أن تارك المأمور به عاص وكل عاص متوعد عليه بالعذاب فيكون تارك المأمور به متوعدا عليه بالعذاب وهو دليل على كون الأمر للوجوب أما المقدمة الأولى فلظاهر عدة من الآيات كقوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم وقوله لا أعصي لك أمرا وقوله أفعصيت أمري وفي كلمات العرب أيضا كقوله أمرتك أمرا جازما فعصيتني ونحوه قول الآخر مضافا إلى تصريح جماعة بأن العصيان ترك المأمور به وربما يحكى الإجماع عليه وأما الثانية فلقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها الآية ويورد عليه تارة بالمنع من كون ترك المأمور به مطلقا عصيانا ولا دلالة في الآيات المذكورة وغيرها على الإطلاق المذكور إذ إضافة العصيان إلى الأمر إنما تقضي بتحقق العصيان بترك المأمور به في الجملة لا أن كل ترك للمأمور به عصيان كما هو المدعى ويدفعه أن ظاهر إطلاقات الآيات المذكورة وغيرها تحقق العصيان بمخالفة أي أمر كان لا خصوص بعض الأقسام سيما الآية الثانية وتارة بأن قضية تلك الآيات وغيرها تحقق العصيان بترك المأمور دون مخالفة الصّيغة ولا ملازمة بين الأمرين فأقصى ما يفيده الحجة المذكورة دلالة مادة الأمر على الوجوب وهو غير المدعى ويدفعه ما عرفت من أن الصيغة المطلقة الصادرة من العالي أو المستعلي يسمى أمرا في العرف واللغة وهو كاف في المقام وثالثا بالمنع من كون كل عاص متوعدا بالعذاب والآية المذكورة لا دلالة فيها على ذلك لاشتمالها على التوعد بالخلود وهو مختص بالكفار كما دلت عليه الأدلة وما أجيب عنه من أن المراد بالخلود المكث الطويل ليس بأولى من التزام التخصيص في الموصول مع ما تقرر من رجحان التخصيص على المجاز والقول بأن البناء على التخصيص في المقام يوجب خروج أكثر الإفراد للزوم إخراج جميع المعاصي عنه سوى الكفر والتزام التجوز أولى منه إذ هو على فرض جوازه بعيد حتى ذهب كثير إلى المنع منه مدفوع بأنا لا نخصّصه إلا بأهل الإيمان فالباقي أضعاف الخارج ويمكن أن يقال إن ما دل على توعد العصاة واستحقاقهم للذم والعقوبة لا ينحصر في الآية المذكورة بل هو معلوم من ملاحظة سائر الآيات والروايات ورابعا بأنه لا دلالة فيما ذكر إلا على كون الأمر للوجوب بحسب الشرع لاختصاص الوعيد في الآية بعصيانه تعالى وعصيان الرسول فلا يفيد وضعه بحسب اللغة كما هو المدعى ويدفعه بعد ورود الذم شرعا على عصيان غير الله ورسوله أيضا من أصالة عدم النقل مضافا إلى أن العصيان حقيقة في مخالفة ما ألزمه الطالب من الفعل أو الترك بحكم التبادر فعد مخالفة الأمر عصيانا دليل على إفادته الإلزام وإن لم يلزم منه الوجوب المصطلح إلا فيمن دل الدليل العقلي أو النقلي على المنع من عصيانه حسبما مرت الإشارة إليه ومما قررنا ظهر وجه آخر في إتمام الدليل المذكور من دون حاجة إلى التمسك بالآية الأخيرة وخامسا أن ذلك إنما يفيد إفادة الأمر للوجوب مع الإطلاق وهو أعم من وضعه له بالخصوص إذ قد يكون من جهة انصراف الإطلاق إليه كما أشرنا إليه ومنها ما دل على وجوب طاعة اللّه والرسول والأئمة عليهم السّلام من الآية والرواية مع كون الإتيان بالمأمور به طاعة كما يشهد به ملاحظة العرف واللغة فيكون الإتيان بالمأمور به واجبا ويرد عليه أيضا ما مر من إفادته دلالة الأمر على الوجوب بحسب الشرع دون اللغة ويجاب بما عرفت من تتميمه بأصالة عدم النقل وبأن وجوب الطاعة إنما يتبع إيجاب المطاع فلو لا دلالة الأمر على إيجاب المأمور به لم يعقل وجوب الإتيان به لوضوح عدم وجوب الإتيان بما لم يوجبه الأمر الذي يجب طاعته فمحصل الاستدلال أن امتثال الأمر طاعة فإذا صدر الأمر ممن يجب طاعته عقلا أو شرعا وجب امتثاله سواء في ذلك الأوامر الشرعية أو العرفية كأوامر السيد لعبده والوالد لولده والزوج لزوجته وغير ذلك فلا اختصاص له بالشرع وأيضا لا يتم ذلك إلا مع دلالة الأمر على الإيجاب لما عرفت من كون الوجوب بالمعنى المصطلح من لوازم الإيجاب الصادر ممن يجب طاعته نعم يرد حينئذ أن ما يقتضيه الوجه المذكور دلالة الصيغة الصّادرة من العالي دون غيره وحينئذ لا بد في تتميم المدعى من ضم أصالة عدم تعدد الأوضاع وكون الغالب في وضع الألفاظ عدم اختلاف معانيها بحسب اختلاف المتكلمين كما مر ويمكن الإيراد عليه بأن فعل المندوب طاعة قطعا وليست بواجبة فالقول بوجوب الطاعة مطلقا ممنوع وإنما يجب الطاعة مع إيجاب المطاع